شرمة بحضرموت.. اغتيال سلاحفها يهدد بانقراضها

غيوم – تقارير
تعد محمية شرمة جثمون من المحميات الطبيعية التي يتميز بها ساحل محافظة حضرموت، وتقع المحمية في مدينة الديس الشرقية وتبعد عن المكلا عاصمة المحافظة حوالي 120 كم. اعتمدت الحكومة محمية شرمة محمية طبيعية في عام 2001م، وفي العام الذي تلاه أضافتها منظمة اليونسكو إلى مواقع التراث العالمي المؤقتة في اليمن.
تكثر في محمية شرمة الساحلية مجموعة من الكائنات البحرية وتعتبر السلاحف أبرزها، حيث تتخذ السلاحف من محمية شرمة موطنها الأم، وتتكاثر فيها بشكل جعل المحمية وجهة للزائرين والرحَّالة، بالإضافة إلى ساحل المحمية الجذَّاب.
لم تسلم كائنات السلاحف البحرية من جور الصيادين وعبث الزائرين، فتعرضت لعمليات اغتيال كثيرة من قبل أهالي المنطقة والقريبين منها والزائرين الذين يأتون إليها بغرض التسلية والترفيه غير مبالين بأهمية وجود مثل هذه الكائنات التي تزيِّن السواحل وتميِّزها، مما قد يتسبب ذلك بانقراضها.
500 سنة من الحياة
استوطنت السلاحف هذه المحمية منذ آلاف السنين، وأقامت أعشاشها فيها لتعود كلما حان موسم التزاوج ووضع البيض، ويعيش في المحمية نوعين أساسيين من السلاحف (الخضراء، صقرية المنقار)، بالإضافة إلى أنواع أخرى مثل (كبيرة الرأس، الزيتونية، الجلدية).
تشير أبها أحمد (طالبة في الأحياء البحرية) إلى أن” بيئتنا البحرية بساحل حضرموت تمتاز بوجود أنواع من السلاحف البحرية النادرة، ومنها السلاحف الخضراء وسلاحف منقار الصقر، وأخص بالذكر منطقة محمية شرمة ولما تتعرض له سلاحفها المعمرة من صيد جائر”.
وتؤكد أبها أن” لهذه السلاحف – التي تبلغ أعمارها الـ 500 سنة – أهمية كبرى للسلسلة الغذائية الطبيعية، فإذا غاب أحد مكونات هذه السلسلة نتج عن ذلك طفرة في نوع معين من الكائنات الحية، والذي بدوره يؤدي إلى اختلال السلة الغذائية الطبيعية وانقراض أنواع كثيرة منها”.
وتوضح أبها موقفها من صيد السلاحف فتقول:” الصيد الذي يحدث في محمية شرمة غير لائق أخلاقيا وبيئياً، فالله سبحان وتعالى حبانا بهذه المحمية من أجل جذب السياح لزيادة الدخل، لكن تصرُّف مرتاديها لا يطاق أبدا، ووجب على السلطات المختصة أن تقوم بتكثيف الرقابة على المحمية”.
سلاحف تواجه الخطر
“توجد في المحمية “الشعاب المرجانية” وهي بيئة جاذبة للعديد من الأسماك الصغيرة والقشريات والكائنات الحية الدقيقة، لذلك فهي في نظر السلاحف وخاصة “الخضراء” مكاناً خصباً وغنياً بالغذاء”. حسبما قال الناشط البيئي سعيد باكويري. مضيفا أن التزاوج بين السلاحف يتم في المياه قليلة العمق، غالبا ما يبعد عن الشاطئ مسافة كيلو متر، ووضع بيضها يحدث في الغالب ليلا بعد الساعة العاشرة.
تتعرض صغار السلاحف بعد تفقيس البيض، وأثناء رحلتها إلى المياه لمخاطر الافتراس من الحيوانات كالكلاب والطيور وسرطانات البحر، ولا تستطيع النجاة والوصول إلى البحر إلا 10% منها، بالإضافة إلى تعرض السلاحف للذبح والاصطياد؛ رغبةً في لحمها، حيث تبلغ كمية اللحم لكل سلحفاة ثلاثة كيلو للصغار منها، أما الكبار فقد تصل إلى أربعين كيلو، وطولها قد يمتد من متر ونصف إلى مترين.
“صَفَار البيض فقط هو الذي يؤكل، أما البَيَاض فطعمه غير مُحبَّب” هكذا وصف لنا أحد الصيادين عن بيض السلاحف. وتضع الأنثى من 75 إلى 250 بيضة بعد موسم التزاوج، داخل حفرة لتحفظها من الصيد، لكن الصيادين يعرفون وقت خروجها إلى الشاطئ، فقبل عملية وضع البيض يقومون بذبحها، لأخذ بيضها ولحمها.
يقول الناشط البيئي عوض بايعشوت:” تتعرض السلاحف البحرية للذبح والصيد والاتجار بها من قبل المواطنين والزوار وكذلك بيضها وصغارها للافتراس من قبل الكلاب الضالة والمفترسات الأخرى. مضيفًا: “يجب حماية الأنواع النادرة من الكائنات البحرية التي تزخر بها البيئة، حيث تعد هذه السلاحف من أقدم الأنواع وأكثرها ندرة”.
دور الجهات المختصة
“خفر السواحل قد منع صيد السلاحف في شرمة، فلم يعد هناك من يقوم بذلك الفعل مثل السابق، إلا أن الذين يأتون من مدينة المكلا وغيرها في رحلات ترفيهية نجد أنهم يقومون بذبح سلاحف من المحمية”، حسب إفادة أحد الصيادين.
ارتكاب مثل هذه الجرائم البيئية وأثرها السلبي على البيئة وضع سؤالًا هامًا عن دور الجهات المختصة في الحد من ذلك، تقول”نجوى بن زيدان” مديرة هيئة حماية البيئة بساحل حضرموت أن:” مع الجهود المبذولة من قبل خفر السواحل في الحماية إلا أنه لا يوجد للمحمية حدود معروفة، وأبعاد منضبطة نستطيع من خلالها تحديد أين تبدأ وتنتهي المحمية”. مضيفة أنه:” سيتضمن القرار [صدور قرار رئاسي بجعل المحمية رسمية على مستوى الجمهورية] وضع حدود واضحة للمحمية نستطيع وفقها ضبط ما يحدث بشكل أكبر”.
“قامت الهيئة بالتنسيق مع مدير عام مديرية الديس الشرقية في وقت سابق من هذا العام في عقوبة مجموعة ممن تم ضبطهم بالحبس لمدة 24 ساعة مع حلق الرأس”. بحسب مديرة الهيئة. موضحة أن الهيئة قامت بالتنسيق مع إذاعة المكلا – بمدينة المكلا – لعمل برنامج توعوي خاص بالمحمية، بدأ في 2021م بتمويل وإشراف من الهيئة.
تحدي البقاء
من الشائعات المنتشرة بين الصيادين وغيرهم، هي أن في لحم السلاحف علاج لبعض الأمراض الجنسية، كالضعف الجنسي، وهذا ما ذكره صياد بقوله:” في لحم تلك الذكور علاج للضعف الجنسي، ويزيد من السائل المنوي للرجل، وذلك عن طريق خلطات طبيعية تصنع محليًا”. إلا أنه لا توجد أي دلالة علمية تثبت هذا القول.
يؤكد الناشط البيئي سعيد باكويري أن “بقايا أذرع السلاحف شاهد عيان للقتل والتخريب الذي تتعرض له السلاحف البحرية ومواطن تعشيشها”. موضحا “أن الزحف السكاني، وإقامة المنشآت المستحدثة في بعض أماكن تعشيش السلاحف، إضافة إلى تلوث البحر والشواطئ بالنفايات الصلبة والبلاستيكية والنفطية، والتغيرات المناخية وارتفاع مستوى سطح البحر، كل هذا يمثل تحديا كبيرا أمام بقائها”.
” قلة الوعي وانتشار بعض الخرافات الشائعة وغياب اللوائح القانونية والجهات المختصة، كلها مسببات لتعرض السلاحف للذبح والإبادة” حسب تعبير (باكويري)، مبينا أن” هناك قصور واضح في حماية السلاحف”.
