البيئة والمناختوعية وتثقيفمقالات وتقارير

مقال | حين تصبح المياه قضية بقاء: نداء عاجل لحماية ما تبقى وبناء ما يجب أن يقوم

غيوم - حسام غيثان

في الدول التي نجحت في بناء أنظمة مائية قوية، لا تبدو المياه مجرد خدمة عامة. هناك شيء أعمق من ذلك بكثير. المياه تصبح عنوانًا للثقة بين الدولة والمجتمع، ومؤشرًا على جودة الحوكمة، ونتيجة طبيعية لعمل مؤسسي متراكم وطويل النفس. وعندما يرى المرء في بلد مثل هولندا أن الناس يشربون المياه مباشرة من الحنفيات بثقة كاملة، فإنه لا يرى بنية تحتية متقدمة فحسب، بل يرى منظومة متكاملة: إدارة رشيدة، رقابة فعالة، استثمار طويل المدى، حلول مبتكرة، وقدرة حقيقية على تحويل المورد المائي إلى ركيزة للاستقرار والتنمية.

هذا المشهد يبعث على الإعجاب، لكنه يوقظ أيضًا قدرًا كبيرًا من الألم حين يُقارن بواقع اليمن، حيث تعيش بعض المناطق شحًا مائيًا حادًا، فيما تتجه مناطق أخرى نحو الندرة، وتزداد الأزمة تعقيدًا في أماكن كثيرة بفعل الاستنزاف، وضعف الإدارة، وتآكل القدرات، واستمرار الهشاشة السياسية والاقتصادية. وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى أين يتجه قطاع المياه إذا استمرت هذه الظروف على حالها؟

الحقيقة أن أزمة المياه في اليمن لم تعد مجرد مشكلة خدمات. لقد أصبحت قضية بقاء، وقضية تنموية ومؤسسية وسيادية في الوقت نفسه. ولم تعد المعضلة في محدودية الموارد وحدها، بل في كيفية إدارة هذا النقص، وفي مدى قدرة المؤسسات على الصمود، وفي طبيعة النموذج الذي يُدار به القطاع بين الطوارئ اليومية واحتياجات البناء طويل الأجل.

ومع ذلك، ومن المهم قول هذا بوضوح، فإن قطاع المياه والبيئة في اليمن لم يقف مكتوف اليدين. فخلال سنوات الصراع الممتدة، عملت وزارة المياه والبيئة، ومعها المؤسسات والهيئات التابعة للقطاع، بجهود كبيرة ومستمرة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، والعبور الآمن بهذا القطاع الحيوي من وضع شديد الهشاشة إلى وضع أكثر تماسكا بقدر الممكن. بل إن هذا القطاع ظل، بشهادة كثيرين، من أكثر القطاعات قدرة على الحفاظ على شيء من الفاعلية المؤسسية، ويُنظر إليه في أوساط عديدة بوصفه من التجارب الأنجح نسبيًا في اللامركزية خلال فترة الصراع، رغم كل ما أحاط بها من تعقيدات وانقسامات وقيود تشغيلية ومالية.

لكن هذه المكاسب، على أهميتها، ليست مضمونة الاستمرار. فإطالة أمد الصراع، وتزايد صعوبة العمل في بيئة معقدة، وضعف التمويلات، كلها عوامل تنذر بتآكل ما تم الحفاظ عليه بصعوبة. والأسوأ من ذلك أن كثيرًا من كوادر الوزارة والقطاع، ممن راكموا خبرة ومعرفة ميدانية ومؤسسية لا يمكن تعويضها بسهولة، قد يجدون أنفسهم مضطرين إلى المغادرة عندما تغيب أسباب الاستمرار المهني والإنساني، وعندما يصبح البقاء ذاته عبئًا لا سند له. وحين تخسر المؤسسات كوادرها، فإنها لا تفقد موظفين فقط، بل تفقد ذاكرة القطاع وخبرته التراكمية وقدرته على الاستمرار.

لقد أثبتت التجربة أن أي معالجة جادة لأزمة المياه لا يمكن أن تقوم من دون حوكمة رشيدة، ومؤسسات قادرة، وتمويل موجّه نحو بناء الأنظمة لا مجرد إدارة الاحتياج الآني. وفي بلد ساحلي مثل اليمن، ومع الضغوط المتزايدة على المياه الجوفية، لم تعد تحلية مياه البحر خيارًا ثانويًا أو ترفًا تقنيًا، بل أصبحت ضرورة استراتيجية، خصوصًا في المدن الساحلية والمراكز الحضرية الكبرى. لكن التحلية، مهما بلغت أهميتها، ليست حلًا قائمًا بذاته. فهي تحتاج إلى أن تُدمج ضمن نظام مائي مرن، قائم على التخطيط، والطاقة المناسبة، والاستدامة المالية، والقدرة التشغيلية المحلية، وأطر واضحة للمساءلة والحوكمة.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توفير التمويل، بل في إعادة النظر في طريقة العمل داخل القطاع وحوله. فسنوات الاعتماد المفرط على الوسطاء، إلى جانب التهميش غير المقصود أحيانًا، والممنهج أحيانًا أخرى، للدور الحكومي والمؤسسي الوطني، أضعفت قدرة القطاع على أن يبني نفسه بنفسه. وأبقت كثيرًا من الجهود داخل دائرة المشاريع المؤقتة، بدل أن تضعها على مسار تعافٍ مؤسسي مستدام.

ولا يمكن إنكار أن عددًا من المنظمات لعب أدوارًا مهمة في ظروف شديدة الصعوبة، وأسهم في سد فجوات كبيرة في لحظات حرجة. لكن الواقع يوضح أيضًا أن ارتفاع تكاليف التشغيل، وتعقّد الإجراءات، والبيروقراطية، وتعدد حلقات التنفيذ، كلها أمور جعلت هذا النموذج، في أحيان كثيرة، أقل كفاءة مما ينبغي، وأبعد من أن يكون بديلًا صحيًا عن تمكين المؤسسات الوطنية. لذلك فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل بوضوح إلى المانحين والمنظمات والجهات المؤثرة في القرار هي أن تمكين المؤسسات الوطنية ليس مجازفة، بل هو شرط أساسي للاستدامة.

نعم، قد تكون هناك مخاوف مشروعة تتعلق بالحوكمة أو بالقدرات أو بإدارة المخاطر. لكن معالجة ذلك لا تكون بتجاوز الدولة ومؤسساتها، بل ببناء أدوات رقابة أفضل، وتصميم آليات مساءلة واضحة، وتطوير أنظمة متابعة وتقييم مشتركة، وخلق مساحات دعم حقيقي تساعد الحكومة والوزارة والمؤسسات التابعة للقطاع على الاضطلاع بدور أكبر في التخطيط والتنفيذ والإشراف.

وفي هذا السياق، تبدو إحدى الإشكاليات الجوهرية في صعوبة الانتقال من النموذج الوسيط إلى التعامل الأكثر مباشرة مع المانحين. فالجميع يتحدث عن أهمية هذا التحول، لكن تطبيقه على الأرض ما يزال محدودًا ومحفوفًا بالعوائق. والسبب لا يعود فقط إلى تردد بعض الأطراف الدولية، بل أيضًا إلى أن الكوادر الحكومية نفسها لم تُمنح، خلال السنوات الماضية، ما يكفي من التأهيل والدعم المنهجي الذي يمكّنها من الاضطلاع بهذا الدور على مستوى التخطيط وصناعة القرار والإدارة التنفيذية الجادة. أي إن المطلوب ليس مجرد فتح الباب أمام المؤسسات، بل تمكينها فعليًا من عبوره.

ورغم أن الوزارة أصبحت جزءًا من منظومة لقاءات التنسيق ذات الصلة بالقطاع، فإن هذا الحضور لا يزال، في كثير من الأحيان، أقرب إلى المشاركة الشكلية أو التشريفية منه إلى الدور القيادي الذي يتناسب مع مسؤولياتها الطبيعية. وما لم يُترجم هذا الحضور إلى تفويض أوضح، وثقة أكبر، ومساحة قرار أوسع، فإن أثره سيظل محدودًا. فالمشكلة ليست في الرغبة وحدها، بل في أن الوزارة، في ظل الظروف الحالية، لا تستطيع وحدها تحمل كلفة إدارة هذا المسار المعقد، كما أن الدعم المخصص لبناء هذا التوجه المؤسسي لا يزال دون المستوى المطلوب، في وقت لا يبدو فيه أن هناك اندفاعًا كافيًا من جانب بعض المانحين للاستثمار الجاد في هذا المسار، رغم أهميته البالغة لمستقبل القطاع.

وبناء مؤسسات قادرة، حتى لو احتاج إلى وقت أطول وجهد أكبر، يظل أقل كلفة بكثير من استمرار إضعافها عامًا بعد عام. فالمؤسسات والهيئات العاملة في المياه والبيئة تتعرض لاستنزاف متواصل، وإعادة بنائها تصبح أكثر صعوبة وتعقيدًا كلما طال زمن التهميش وضعف الاستثمار فيها. والخشية الحقيقية اليوم ليست فقط من استمرار التراجع، بل من أن نصل إلى لحظة يصبح فيها هذا القطاع الحيوي، الذي يمس حياة الناس يوميًا، قطاعًا خاملًا أو منهارًا، بعد أن كان من المفترض أن يكون أحد أعمدة الصمود الوطني والاستقرار المجتمعي.

صحيح أن هناك مؤشرات إيجابية بدأت تظهر، من بينها تنامي الوعي لدى بعض المانحين بأهمية إشراك الوزارة في لقاءات تنسيق القطاع، وهذه خطوة تستحق التقدير. لكنها، حتى الآن، لا تزال خطوة أولى فقط. المطلوب اليوم أكثر من حضور في الاجتماعات، وأكثر من الإحاطة بالمستجدات. المطلوب انتقال فعلي من منطق الإشراك المحدود إلى منطق الشراكة المؤسسية الحقيقية؛ شراكة تمنح الوزارة والهيئات والمؤسسات التابعة للقطاع موقعًا أكثر فاعلية في الحوار، والتخطيط، وتحديد الأولويات، والتنفيذ، وبناء القدرات المؤسسية والفنية والمالية والإدارية.

نحن بحاجة إلى تحول واضح: من منطق تنفيذ المشاريع إلى منطق بناء المؤسسات، ومن إدارة الاحتياج الطارئ إلى تأسيس أنظمة قادرة على الاستمرار، ومن الحلول المجزأة إلى رؤية مائية وطنية أكثر تماسكًا ومرونة. وهذا يتطلب استثمارًا جادًا في الكوادر، والأنظمة، والتشغيل، والتحول الرقمي، والرقابة، والتنسيق بين الوزارة والسلطات المحلية والهيئات والمؤسسات ذات العلاقة، بحيث يصبح القطاع شريكًا أصيلًا في صياغة التعافي لا مجرد منفذ محدود الصلاحيات أو متلقٍ للمخرجات.

فالمياه ليست ملفًا فنيًا منفصلًا عن بقية القضايا. إنها تمس الصحة، والغذاء، والبيئة، والاقتصاد، والاستقرار الاجتماعي، وكرامة الإنسان. وأي تراجع في هذا القطاع ينعكس مباشرة على حياة الناس وعلى قدرة المجتمع على الصمود وعلى فرص التعافي والتنمية. وليس مبالغة القول إن إنقاذ قطاع المياه اليوم هو، في جوهره، إنقاذ للحياة نفسها، مصداقًا لقوله تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حي}.

هذه ليست شكوى عابرة، ولا ملاحظة فنية باردة. إنها نداء صادق إلى المانحين، والمنظمات، والجهات الدولية، وصناع القرار: لا تتركوا قطاع المياه ينهار أكثر. ادعموا الحوكمة الرشيدة، واستثمروا في التحلية والحلول المستدامة، ووسّعوا برامج بناء القدرات، وساعدوا المؤسسات الوطنية على أن تستعيد دورها الطبيعي وتنهض بمسؤولياتها.

فالمشاريع المتفرقة، مهما كانت مفيدة، لن تكفي وحدها إذا ضاعت المؤسسات. أما إذا جرى الاستثمار في هذه المؤسسات على أسس صحيحة، فمن الممكن أن يستعيد البلد تدريجيًا قدرة هذا القطاع على الصمود، وأن يضع قدمه على طريق أكثر استقرارًا وتعافيًا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button