لؤلؤة الريف.. قرية رُوبة حيث تناغم الطبيعة

غيوم – استطلاع
جميلة هي الحياة الريفية بجمال مناظرها الطبيعة، بسيطة ببساطة أهلها الذين تجدهم يمارسون طقوسهم اليومية بشغف وهدوء بعيداً عن مُلهيات المدن وضجيج شوارعها، وزحمة سكانها، شامخة بشموخ جبال الوديان التي تحوطها من كل اتجاه.
خذ نفساً عميقاً وتعال معي نتجول في إحدى جوهرات الريف ولؤلوة البوادي قرية رُوبة “وادي عَمَارة”، إحدى القرى التابعة لأم المليون نخلة “مديرية حجر” في محافظة حضرموت.
اكتملت التجهيزات للرحلة، وشدينا الرحال نحوها ولهفة الحماس تغمرنا، من مدينة المكلا انطلقنا مروراً بمديرية دوعن وكانت المحطة الأولى، و أكملنا طريقنا إلى الوجهة، كانت الطريق وعرة يكاد جسمك لايستقر في موضعه على مقعد السيارة، عبرنا بين جبال صمَّاء منحنيةً باتجاهنا وكأنها تقول ” ما الذي أتى بكم إلى هنا”، حتى وصلنا إلى مشارف وادي عمارة لتستقبلنا رائحة الهواء الريفي النقي مرحبةً بنا: “أهلاً بكم في روبة”، نزلنا الوادي مروراً بمنحدرات عسيرة إلى أسفله.
بيوت متدرجة
ما إن لمست أقدامنا تراب المنطقة معلنة وصولنا بسلام إلا وشدت نظراتنا تلك البيوت الراسية على سفح الجبل يحضن كل منها الآخر، موضحةً براعة وإبداع أبناء المنطقة في البناء والفن المعماري، ويقع تحت مجموعة البيوت جامع القرية الذي يتقدمها كقائد يتقدم جنوده.
إن تتوغل وسط أزقتها وترفع ناظريك للأعلى ترى مدى طول تلك الأبنية المبنية من الطين ومدى إرتفاعها وتحملها لتقلبات الطقس لمئات السنين، في صورة تذكرك بتلك البيوت الشبامية الحضرمية.
بلدة طيبة
على الجانب المقابل لتلك البيوت عليك أن تلقي نظرة أخرى على جمال الطبيعة شديدة الاخضرار، لتتمتع بمشاهدة الأشجار والنباتات المثمرة والمتنوعة ملامسة الجبال العملاقة التي تحوي القرية من كل اتجاه.
إن تغوص في أعماق الغابة ترى جنات عن يمين وشمال، فيها فاكهة ونخل ورمان وخيرات حِسان، يذهلك طعم فاكهة المانجو الموسمية بنوعيها العادي و”الغريب”، ولشهرتها خارج المنطقة تغزوا كل عام أسواق سيئون ودوعن، ناهيك عن طعم الفلفل الأخضر الحار الذي يشعل نيراناً بداخلك تدمع بسببه عينيك.
إلى أعلى الغابة وأسفل الجبل يجب عليك التوجه لترى العيون المائية التي تخرج من بطن الجبل تتدفق منها المياه، سالكة ممرات مائية طحلبية متوجهة لتسقي أرضاً طيبة تنبت نباتاً حسناً.
بساطة الإنسان
في صباح كل يوم جديد يستيقظ أبناء القرية بمختلف فئاتهم كل منهم يقوم بمهمته، ويالبساطتهم!، فترى رجلاً يحمل منجلاً ورجلاه تسبقُ الأخرى، متوجهاً إلى المزرعة يرافقه النشاط والحيوية، ليبدأ العمل بشغف وتفانٍ تظن لو إنه مراقب من مُديره ليخصم من راتبه إذا أخطأ في العمل.
وترى النساء يمسكن ذلك “الطربوش” ليضَعْنَه على رؤسهن كتاجاً يؤهلهن لقيادة قطيع الغنم متوجهات في أفواج متعددة في مهمة رعي تستمر لآخر النهار، يطلقن أغنامهن على ضفاف ممرات السيول وأعالي الجبال والهضاب المدججة بالنباتات كوجبة مفضلة لأغنامهن.
أما الأولاد فالدراسة هي مهمتهم الصباحية ينطلقون حاملين مستقبلهم على ظهورهم، متوجهين إلى مدرسة القرية التي تبعد كيلومترات عن منازلهم، يبدؤون يوماً دراسياً واقفين صفاً بثبات أمام مدير المدرسة والمعلمين، تظهر على وجوههم البراءة، وكثير من الأمل لغد أفضل.
في المساء يختلف المنظر تمامًا، فكبار السن “تلك الوجوه التي قد رسم عليها الزمنُ خريطته” يجلسون في تجمعات متفرقة في “ميدان” القرية، منهم من يلعب الثَّبَتْ والضمنة أو “الدمنة” ، ومنهم منغمس في حديث مع قرينه في أمور الساسية والاقتصاد، وتغمرهم بساطة المكان وتقلبات الزمان.
في الليل وبعد تناول وجبة عشاء يترأسها الخبز والشاي، يجلس الأهالي مع عائلاتهم في جلسة سمر هادئة، ومع نَسنسة الهواء الطبيعي بعيداً عن أجهزة التكييف، وهذا ماتتميز به مناطق الريف الجميل، بعد يوم حافل بالعمل والتعب ينام الأهالي بعد الساعة الثامنة إلى التاسعة مساءًا ليغدو في الصباح كلًا في عمله.
ما يجعل منطقة رُوبة مميزة هي تلك العادات العُرسية والعِيدية المفضلة لدى أبنائها، رقصات ونغمات، ألحان وأصوات الدان الحضرمي، عزفٌ وإيقاعات تخرج من فوهة “المزمار” وفتحات “المدروف” لتشكل رقصات وحركات تسمى محلياً “الشرح” و”الحفة”، أما أجواء العيد الريفية وشهر رمضان فلها عشاقها، فكل عام يعود أبناء المنطقة الماكثون خارجها ليشهدوا أجواء رمضانية وعيدية تختلف عن تلك الأجواء المدنية.
وانتهى المشوار
تنتهي الرحلة هنا بعد أيام ريفية بامتياز، حافلة بالتجوالات في أزقَّة وطرق وجبال ومزارع قرية رُوبة (وادي عمارة)، حان وقت الرحيل وتبقى ذكريات الأيام لتعود بنا يوماً ما إلى الوجهة مرة أخرى.
