البيئة والمناخمقالات وتقارير

مقال | المياه في اليمن: حيث يتقاطع الشحّ مع الضغط المناخي والصراع

غيوم - حسام غيثان

لم تعد المياه في اليمن مجرد قضية خدمية، بل أصبحت قضية بقاء.
فعلى مدى سنوات، واجه اليمن شحًا مائيًا عميقًا. فقد جرى استنزاف المياه الجوفية بصورة كبيرة، فيما ظلت معدلات التغذية الطبيعية محدودة، وجاء التغير المناخي ليزيد وضعًا هشًا تعقيدًا. فالأمطار باتت أقل انتظامًا. في بعض المناطق تطول فترات الجفاف، وفي مناطق أخرى تهطل الأمطار خلال فترات قصيرة وبغزارة شديدة، فتتسبب في سيول وفيضانات تدمّر البنية التحتية ثم تمرّ من دون أن تستفيد منها المجتمعات كما ينبغي.
وتجسّد حضرموت هذه الأزمة بوضوح. ففي وادي حضرموت، يعتمد الناس بدرجة كبيرة على تدفقات السيول الموسمية وعلى تغذية جوفية هشة. أما على الساحل، فإن الضغط على الخزانات الجوفية يثير مخاوف متزايدة بشأن الاستدامة طويلة الأمد ونوعية المياه. ولهذا أصبحت الحاجة أكبر إلى تحسين حصاد مياه السيول، وتعزيز حماية المياه الجوفية، ورفع كفاءة استخدام المياه في الزراعة على مستوى المحافظة.
لكن من أصعب الحقائق في قصة المياه في اليمن أن الأزمة لا تتعلق بالشح وحده، بل أيضًا بكيفية استخدام المياه.
فالزراعة تستهلك نحو 90% من المياه في البلاد، ويذهب جزء كبير من ذلك إلى زراعة القات. وفي حوض صنعاء وما حوله، كان التوسع في زراعة القات أحد أبرز أسباب تراجع منسوب المياه الجوفية، بما جعل الوصول إلى المياه أكثر صعوبة وأكثر كلفة على الجميع.
ولم يعد ممكنًا إبقاء هذه القضية خارج النقاش الوطني حول المياه. فاليمن بحاجة إلى تحول جاد بعيدًا عن الأثر المدمر للقات على الموارد المائية، بالتوازي مع إيجاد بدائل عملية تحمي سبل عيش المزارعين بدلًا من تجاهلها.
وينطبق الأمر نفسه على القطاع الزراعي عمومًا. فإذا كانت معظم المياه المتاحة تُستهلك في قطاع لا يزال يعتمد في كثير من المناطق على أساليب ري غير كفؤة، فإن الإصلاح لم يعد خيارًا مؤجلًا. اليمن بحاجة إلى ري أكثر ذكاءً، وإنتاجية مائية أفضل، وتحولات مدروسة في التركيب المحصولي حيثما أمكن، وتنظيم أقوى، ودعم محلي يساعد المزارعين على إنتاج المزيد بكمية أقل من المياه.
ثم تأتي الحقيقة السياسية. فالحرب، والانقسام المؤسسي، والانشطار القائم بين سلطتين، كلها عوامل أضعفت التخطيط، وألحقت الضرر بالبنية التحتية، وعرقلت الاستثمار، وجعلت إدارة المياه بصورة منسقة أكثر صعوبة.
لذلك، لا يمكن أن يعتمد الطريق إلى الأمام على الحلول التقليدية وحدها. فما يزال اليمن بحاجة إلى حماية المياه الجوفية، وحصاد مياه الأمطار، وإعادة تأهيل الشبكات، والتوسع في استخدام الطاقة الشمسية في أنظمة المياه. لكن بعض المناطق، خصوصًا الساحلية، تحتاج أيضًا إلى التعامل مع التحلية بوصفها خيارًا استراتيجيًا، لا مجرد حل أخير. وينطبق ذلك كذلك على مدن تعاني ضغطًا شديدًا مثل تعز.
إن اليمن لا يحتاج فقط إلى المزيد من مشاريع المياه، بل إلى رؤية أكثر صراحة وواقعية، رؤية تواجه الضغط المناخي، والاستخدام غير المستدام، والاستنزاف المرتبط بزراعة القات، وتعقيدات الصراع.
لأن المياه في اليمن لم تعد مجرد مسألة إمداد. بل أصبحت مسألة استقرار، وتنمية، ومستقبل بلد بأكمله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button