مقال | تغيّر المناخ لم يعد تهديدًا مؤجلًا.. عدن والمكلا وحضرموت أمام خطر يتقدم بصمت
غيوم - حسام غيثان

لم يعد تغيّر المناخ في اليمن ملفًا بيئيًا يمكن تأجيله أو التعامل معه كموضوع ثانوي. المسألة اليوم تمسّ الأمن المائي، واستقرار المدن، وسلامة البنية التحتية، وحتى شكل الحياة اليومية في المناطق الساحلية. وفي مقدمة هذه المناطق تقف عدن والمكلا، بينما تمتد التداعيات على نطاق أوسع لتشمل حضرموت بكل ما فيها من ساحل ووادي ومدن وموارد ومجتمعات.
الحديث عن ارتفاع منسوب مياه البحر، وتزايد العواصف، وتكرار الفيضانات، وتملّح المياه الجوفية، لم يعد مجرد تحذير نظري. هذه مؤشرات بدأت تفرض نفسها على الأرض، وتتكرر بصورة أوضح من السابق. ومع كل موسم مطري، ومع كل حالة طقس متطرفة، يتأكد أن الخطر لم يعد بعيدًا، بل صار يتشكل تدريجيًا أمامنا، ويكشف هشاشة المدن أكثر فأكثر.
في عدن، تبدو الصورة شديدة الحساسية. المدينة منخفضة نسبيًا، وبنيتها التحتية تعاني أصلًا من الضعف، والخدمات فيها تحت ضغط مستمر. لذلك فإن أي ارتفاع في مستوى سطح البحر لا يعني فقط تهديد بعض المناطق الساحلية أو تآكل الشريط البحري، بل يفتح الباب أيضًا أمام مشكلات أكثر تعقيدًا، أهمها تداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية وارتفاع الملوحة. وهنا لا يعود الخطر محصورًا في الشاطئ، بل يصل إلى الماء الذي يشربه الناس، وإلى الطرق، والمطار، والأحياء، والخدمات الأساسية. وهذا بحد ذاته كافٍ ليجعل القضية قضية مدينة بأكملها، لا مجرد قضية بيئية معزولة.
أما المكلا، فخطرها مختلف في شكله، لكنه لا يقل خطورة. فهي تواجه تهديدًا مزدوجًا: من البحر، ومن السيول في الوقت نفسه. المدينة معرضة لارتفاع مستوى البحر وتآكل الساحل، لكنها أيضًا مكشوفة أمام الفيضانات الحضرية المفاجئة والعواصف المدارية والاندفاعات البحرية المصاحبة لها. والتجارب السابقة أثبتت أن هذا ليس احتمالًا نظريًا. ما شهدته المكلا خلال الأعاصير والفيضانات الماضية كان كافيًا لإظهار حجم الهشاشة، وحجم ما يمكن أن تتعرض له المدينة من أضرار تمس الطرق والأحياء والخدمات والميناء والنشاط الاقتصادي عمومًا.
وفي حضرموت، المسألة أوسع من حدود المكلا وحدها. فالتأثيرات المناخية لا تتوقف عند الساحل، بل تمتد إلى الأودية، ومجاري السيول، والمناطق الزراعية، والمواقع الحضرية والتراثية، والموارد المائية التي أصبحت أكثر تأثرًا بالتقلبات الحادة. خلال السنوات الأخيرة، صار واضحًا أن الفيضانات والجفاف والعواصف المدارية لم تعد أحداثًا استثنائية بالمعنى القديم، بل تحولت إلى عوامل ضغط حقيقية على المجتمع والاقتصاد والخدمات. وهذا ما يجعل حضرموت، بكل تنوعها الجغرافي، في قلب مشهد هشاشة مناخية آخذة في الاتساع.
الأمر الأكثر إثارة للقلق أن هذا الخطر ليس جديدًا من حيث المعرفة. هناك إدراك قائم منذ سنوات لهشاشة السواحل اليمنية، وللحاجة إلى إدماج التكيّف المناخي في التخطيط الحضري والساحلي، وتطوير نظم الإنذار المبكر، وحماية البنية التحتية، ورفع جاهزية المدن أمام الصدمات المناخية. كما أن الحكومة، بالتعاون مع عدد من المنظمات الدولية والجهات المانحة والبنك الدولي، شاركت في مشاريع وتدخلات مرتبطة بالفيضانات، والخدمات الحضرية، والتكيف المناخي، وإدارة المخاطر، وبعض جوانب المرونة المؤسسية والفنية.
لكن المشكلة لم تكن يومًا في غياب الوعي الكامل، ولا في انعدام التدخلات تمامًا. المشكلة أن ما نُفّذ حتى الآن ما يزال أقل بكثير من مستوى التهديد. بعض الجهود كان مفيدًا بلا شك، وبعضها حقق أثرًا موضعيًا مهمًا، لكن الصورة العامة لا تزال تعكس استجابة مجزأة، محدودة، وأقرب إلى التعامل مع الأعراض لا مع أصل المشكلة. في كثير من الحالات، بقيت التدخلات محصورة في نطاق جغرافي ضيق، أو اتخذت طابعًا إسعافيًا ومؤقتًا، أو ركزت على الدراسات والتقييمات وبناء القدرات أكثر من تركيزها على حلول بنيوية واسعة ومستمرة.
وهنا تظهر الفجوة بوضوح. فعدن لا تحتاج إلى إصلاحات متفرقة في بعض المصارف والمنشآت فقط، بل تحتاج إلى رؤية متكاملة لحماية المدينة من الغمر البحري، والتوسع العمراني غير المنضبط، وتملّح المياه، وانكشاف الخدمات الحيوية. والمكلا لا يكفي أن تُعالَج أوضاعها بعد كل كارثة، بل تحتاج إلى بنية تخطيطية وهندسية واستثمارية قادرة على استباق الخطر قبل وقوعه. أما حضرموت، فهي بحاجة إلى مقاربة أوسع تعيد النظر في العلاقة بين الساحل والوادي، وبين إدارة السيول والموارد المائية، وبين حماية المدن وحماية سبل العيش.
ما نُفذ في السنوات الأخيرة من مشاريع حضرية وبيئية ومناخية لا يمكن إنكاره، ولا يصح التقليل من أهميته. لكن من غير الدقة أيضًا اعتباره استجابة كافية. فحين نقارن حجم التهديد بحجم التدخلات، نجد أن الفجوة ما تزال كبيرة. وما زالت البلاد، في كثير من الأحيان، تتحرك بعد وقوع الضرر، لا قبله. وهذا هو جوهر المشكلة.
المطلوب اليوم ليس فقط المزيد من المشاريع الصغيرة المتفرقة، ولا الاكتفاء بخطط عامة أو تقارير تشخيصية، رغم أهميتها. المطلوب انتقال فعلي إلى برنامج وطني متكامل، يضع عدن والمكلا وحضرموت ضمن أولويات التكيّف المناخي في اليمن، ويربط بين التخطيط الساحلي، وحماية البنية التحتية، وتحسين تصريف مياه الأمطار والسيول، ومراقبة الملوحة، وضبط التوسع العمراني، وتقوية الإنذار المبكر، وتوجيه التمويل المناخي نحو احتياجات الدولة الفعلية لا نحو استجابات متناثرة هنا وهناك.
وهنا ينبغي قول شيء أساسي بوضوح: الحديث عن محدودية الفاعلية حتى الآن ليس هجومًا على الشراكات الدولية، ولا إنكارًا لما بُذل من جهد. لكنه دعوة صريحة إلى مراجعة جادة وصادقة. لأن الخطر يتسارع، بينما الاستجابة لا تزال أبطأ من المطلوب، وأضيق من أن توازي حجم ما يجري على الأرض.
أخطر ما في هذا الملف أن نتعامل معه كأنه شأن يمكن تأجيله. البحر لا ينتظر، والسيول لا تنتظر، وتآكل هوامش الأمان في المدن لا يحدث دفعة واحدة حتى يلفت الانتباه فجأة، بل يتراكم بصمت، ثم يظهر أثره عندما تصبح الكلفة أعلى بكثير. وعندها لا تكون الخسارة بيئية فقط، بل خدمية واقتصادية وصحية واجتماعية وعمرانية أيضًا.
عدن والمكلا وحضرموت ليست مناطق هامشية في هذا المشهد، بل تمثل خطوط تماس مبكرة مع خطر مناخي آخذ في التصاعد. وما لم يُتعامل مع هذا الملف بجدية أكبر، وبمنظور وطني متماسك، فإن السنوات القادمة قد تحمل كلفة أشد قسوة، وأكثر تعقيدًا، وأصعب احتواءً.
لم يعد السؤال اليوم: هل سيتأثر اليمن بتغيّر المناخ؟
السؤال الحقيقي هو: إلى متى سنؤجل الاستجابة الجادة قبل أن تصبح الخسائر أكبر من قدرة البلاد على الاحتمال؟


