البيئة والمناخمقالات وتقارير

مشاريع مياه الريف في اليمن: هل نقدم حلولاً مستدامة أم نشتري الوقت فقط؟

غيوم - حسام غيثان

عندما نتحدث عن مشاريع مياه الريف في اليمن، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو الآبار والخزانات وشبكات التوزيع التي أوصلت المياه إلى قرى ومجتمعات عانت من شح المياه لعقود طويلة. ولا شك أن هذه المشاريع أحدثت تحولاً في حياة ملايين الناس، وخففت كثيراً من معاناتهم اليومية، خاصة النساء والأطفال الذين كانوا يقطعون مسافات طويلة بحثاً عن المياه.

ومع ذلك، وبعد سنوات طويلة من العمل في هذا القطاع، أجد نفسي أطرح سؤالاً مختلفاً عن تلك الأسئلة التي اعتدنا سماعها في التقارير والعروض التقديمية وتقييمات المشاريع.

فالسؤال ليس: كم مشروعاً نفذنا؟

ولا هو: كم شخصاً حصل على خدمة المياه؟

السؤال الحقيقي هو: كم مشروعاً من هذه المشاريع ما زال يعمل اليوم بالكفاءة نفسها التي كان يعمل بها يوم افتتاحه، أو ربما بصورة أفضل؟

في الواقع، تبدأ كثير من مشاريع مياه الريف كقصص نجاح. تحتفل المجتمعات بوصول المياه، ويعرض الممولون نتائج ملموسة، وتنجز الجهات المنفذة أهدافها. لكن بعد سنوات قليلة، تبدأ العديد من هذه المشاريع بمواجهة تحديات لم تكن ظاهرة أثناء مرحلة التنفيذ.

فالبئر ما زالت موجودة، والخزان لا يزال قائماً، والأنابيب ما زالت مدفونة تحت الأرض، لكن مستوى الخدمة وموثوقيتها يبدأان بالتراجع تدريجياً.

ورغم أن المشكلات الفنية والهندسية تلعب دوراً مهماً، إلا أن التحديات غالباً ما تتجاوز ذلك بكثير. فالشبكات تتقادم وتتهالك مع مرور الوقت، وتتم توسعات جديدة دون تخطيط كافٍ، وتظهر اختلالات في الضغوط، خاصة في المناطق الريفية الجبلية في اليمن حيث تتباين المناسيب والارتفاعات بشكل كبير. وفي بعض الحالات، تُطلب من منظومات صُممت لخدمة بضع مئات من الأسر أن تخدم أعداداً أكبر بكثير دون أي تطوير حقيقي للبنية التحتية.

ومن واقع التجربة، فإن التحدي الأكبر لم يعد يتمثل في إنشاء مشاريع المياه، بل في الحفاظ عليها واستدامتها.

فالمياه الجوفية تتعرض لضغوط متزايدة، وتكاليف التشغيل ترتفع باستمرار، بينما أصبحت قدرة المواطنين على دفع رسوم المياه أقل بكثير مما كانت عليه قبل سنوات. وفي الوقت نفسه، تجد لجان المياه المحلية نفسها مطالبة بالحفاظ على الخدمة بموارد مالية محدودة وفي ظروف اقتصادية شديدة الصعوبة.

وهنا تبرز حقيقة قد لا تكون مريحة، لكنها ضرورية: استدامة المشروع ليست أمراً مضموناً بمجرد الانتهاء من تنفيذه.

ففي كثير من المناطق الريفية اليوم، لا تكمن المشكلة في غياب البئر أو المضخة أو حتى مصدر الطاقة، بل في قدرة النظام على توفير إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل والصيانة الدورية والإصلاحات الطارئة، واستبدال المكونات التي تتقادم مع الزمن.

وقد جعل الوضع الاقتصادي هذا التحدي أكثر تعقيداً. فسنوات الصراع والتدهور الاقتصادي أدت إلى انخفاض كبير في دخول الأسر، في حين استمرت أسعار قطع الغيار والمعدات ووسائل النقل والخدمات الفنية في الارتفاع. ونتيجة لذلك، تتسع الفجوة يوماً بعد يوم بين ما تستطيع المجتمعات تحمله مالياً وبين ما تحتاجه هذه المشاريع للبقاء والاستمرار.

وفي الوقت نفسه، تظل الإدارة المالية واحدة من أكثر القضايا حساسية وأقلها نقاشاً. فبعض الهياكل المحلية التي تدير هذه المشاريع تفتقر إلى القدرات الإدارية والأنظمة المالية وآليات الرقابة اللازمة لضمان الشفافية والمساءلة. وفي غياب الحوكمة الرشيدة، قد تواجه حتى المشاريع السليمة فنياً صعوبات كبيرة في الاستمرار على المدى الطويل.

ولهذا السبب، ينبغي النظر إلى الاستدامة باعتبارها أكثر من مجرد هدف فني. فهي في الوقت ذاته تحدٍ مؤسسي، وتحدٍ مالي، وتحدٍ مرتبط بملكية المجتمع للمشروع وشعوره بالمسؤولية تجاهه.

ويُعد التوسع الكبير في استخدام الطاقة الشمسية في مشاريع المياه مثالاً واضحاً على الفرص والتحديات في آن واحد. فقد ساعدت الطاقة الشمسية على خفض تكاليف التشغيل بصورة كبيرة، ومكنت العديد من المشاريع من الاستمرار رغم أزمات الوقود والتقلبات الاقتصادية. وبالنسبة لكثير من المجتمعات الريفية، مثل هذا التحول نقلة نوعية حقيقية.

لكن انخفاض تكلفة الضخ لا يعني بالضرورة إدارة مستدامة للمياه. ففي بعض الحالات، قد يشجع ذلك على زيادة السحب من الأحواض الجوفية التي تعاني أصلاً من ضغوط كبيرة. وإذا لم يرافق هذا التحول نظام فعال لمراقبة المياه الجوفية وتنظيم استخدامها، فإن التقنية التي تساعدنا اليوم على تحسين الخدمة قد تسهم غداً في تسريع استنزاف المورد نفسه.

ولهذا، فإن مستقبل خدمات مياه الريف في اليمن لا ينبغي أن يقاس بعدد المشاريع التي تم تنفيذها، بل بقدرة هذه المشاريع على الصمود والاستمرار.

إن استدامة خدمات المياه الريفية تتطلب أربعة مرتكزات مترابطة: إدارة مسؤولة للمياه الجوفية، وحوكمة محلية فعالة، واستدامة مالية حقيقية، وبيانات موثوقة تدعم اتخاذ القرار على أسس علمية.

وفي النهاية، فإن الاستثمار الحقيقي لا يتمثل فقط في حفر بئر جديدة أو بناء خزان إضافي، بل في بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار، وتعزيز الإدارة المجتمعية، وتحسين الشفافية والمساءلة، وضمان بقاء الخدمة فاعلة حتى بعد انتهاء التمويل وإغلاق المشاريع.

لقد أثبت اليمنيون مراراً قدرتهم على الصمود في مواجهة ظروف استثنائية. والتحدي اليوم هو أن يقترن هذا الصمود بمنظومات مستدامة قادرة على خدمة الأجيال القادمة.

ويبقى السؤال مفتوحاً:

هل نكتفي بتوفير المياه لليوم، أم أننا نبني الأسس التي تضمن الأمن المائي للغد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button